❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
عامان مضيا على الغياب. عامان على ارتقاء السيد حسن نصرالله شهيداً على طريق القدس في السابع والعشرين من أيلول عام 2024. عامان ولم يغب الرجل، لأن الرجال الكبار لا يقاس حضورهم بالسنين، بل بما يتركونه من أثرٍ في وعي الأمة ومسارها.
في هذه الذكرى الثانية، لا نستذكر أميناً عاماً لحزب الله فحسب، بل نستذكر إنساناً وقائداً جمع في شخصه ما تفرق في غيره: رقة القلب وصلابة الموقف، حنان الأب وحكمة المدير الاستراتيجي.
أولاً: السيد الإنسان.. الأب الذي لا ينسى أبناءه
من عرف السيد نصرالله عن قرب، عرفه خارج إطار المنبر والسياسة. كان أباً لكل بيت شهيد. يحفظ الأسماء، يتذكر التفاصيل، يزور العائلات في بيوتها المتواضعة، ويجلس على الأرض مع أمهات الشهداء. لم يكن يواسيهم من موقع الزعامة، بل كان يبكي معهم كواحد منهم.
وحين ارتقى نجله البكر السيد هادي شهيداً في مواجهة مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي في جبل الرفيع عام 1997، رفض أن يتميز عن أي عائلة مقاومة، وقال جملته التي صارت نهجاً: "نفتخر أن يكون في عائلتنا شهيد، ونحن لا نتميز عن باقي عوائل الشهداء، ولا نطلب من الناس ما لا نقدمه نحن".
تلك هي الإنسانية التي صنعت منه قائداً محبوباً. تواضعه في المأكل والملبس والمسكن، قربه من الفقراء، عطفه على الصغار، ودمعته السريعة عند ذكر أهل البيت عليهم السلام. كان زعيماً لم تغيره الانتصارات، ولم تبدله السلطة.
ثانياً: القائد الاستراتيجي.. مهندس قواعد الاشتباك
أما على المستوى القيادي، فقد كان السيد نصرالله مدرسة في الإدارة العسكرية والسياسية. تسلم قيادة المقاومة عام 1992 خلفاً للشهيد السيد عباس الموسوي، وكانت مقاومة فتية محاصرة، فحولها خلال سنوات إلى قوة إقليمية منظمة تفرض معادلاتها على العدو وتغير وجه المنطقة.
وهو أول من ثبت قواعد الاشتباك مع إسرائيل، فحول لبنان من ساحة مستباحة إلى جبهة يحسب لها العدو ألف حساب. معادلة "الضاحية مقابل تل أبيب" و "قصف مقابل قصف" و "الاعتداء على المدنيين سيقابل بالاعتداء على المستوطنات"، كلها صيغت في عهده وبالدم.
ثالثاً: سجل الانتصارات.. من التحرير إلى التوازن الاستراتيجي
يشهد تاريخ الصراع مع العدو على سلسلة محطات مفصلية قادها السيد:
1. حرب 1993 - عملية المحاسبة: عندما حاولت إسرائيل تهجير أهل الجنوب، صمدت المقاومة وأفشلت أهداف العدوان.
2. حرب 1996 - عناقيد الغضب: أرادها العدو حرباً لإنهاء المقاومة، فارتكب مجزرة قانا. لكن النتيجة كانت إنجازاً سياسياً وقانونياً غير مسبوق هو تفاهم نيسان 1996، الذي اعترفت فيه إسرائيل لأول مرة بحق المقاومة في الرد دفاعاً عن المدنيين اللبنانيين.
3. تحرير 25 أيار 2000: التاج الأكبر في مسيرته. انسحاب إسرائيلي كامل ومذل من الشريط الحدودي المحتل منذ عام 1978، بلا قيد ولا شرط وبلا اتفاقية سلام. كان أول تحرير عربي ينتزع بالقوة لا بالمفاوضات. وهناك أطلق مقولته التي هزت كيان العدو: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".
4. حرب تموز 2006: الحرب التي أرادت إسرائيل من خلالها سحق حزب الله في 72 ساعة، فتحولت إلى 33 يوماً من الصمود الأسطوري. فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها، وخرجت المقاومة أقوى، وخرج السيد نصرالله قائداً استراتيجياً اعترف العدو قبل الصديق بعبقريته في إدارة الحرب العسكرية والنفسية والإعلامية.
رابعاً: القائد الإقليمي.. من دمشق إلى فلسطين
لم ينظر السيد إلى لبنان كساحة معزولة، بل كجزء من محور متكامل.
في سوريا: عام 2013، حين كانت الدولة السورية على حافة السقوط وكانت الجماعات التكفيرية على أبواب دمشق، اتخذ السيد القرار التاريخي والأصعب بالدخول إلى سوريا. قرارٌ قلب موازين الحرب في المنطقة كلها، وحفظ محور المقاومة من الانهيار. كان يدرك أن سقوط دمشق يعني سقوط ظهر المقاومة.
في العراق: كان حاضراً بالدعم والمشورة والخبرة حين تمدد تنظيم داعش الإرهابي وهدد بغداد وأربيل. ساهم في بناء منظومة الدفاع التي أدت إلى الفتوى التاريخية والنصر الكبير.
في فلسطين واليمن: بقيت فلسطين هي البوصلة والقضية المركزية. لم يتخلَ يوماً عن غزة والقدس، قولاً وفعلاً، وكان يعتبر أن طريق القدس يمر عبر كل ساحات المواجهة. كما كان الصوت الأعلى دفاعاً عن الشعب اليمني المظلوم في وجه العدوان والحصار.
الخاتمة
عامان على الشهادة، وما زال السيد حاضراً في كل معادلة. رحل الجسد وبقي النهج.
لقد أثبت السيد حسن نصرالله أن القائد يمكن أن يكون حنوناً دون ضعف، وصلباً دون قسوة، وأن الإرادة المؤمنة قادرة على أن تهزم آلة الحرب المتطورة.
سلامٌ على روحه في الخالدين، وسلامٌ على نهجٍ رسم بدماء الشهداء طريق العزة والكرامة.